السيد محمد الحسيني الشيرازي
29
من الآداب الطبية
وقد تجري من هذه البلة إلى موضع آخر من المرة فيكون في ذلك صلاح تام للإنسان ، ولو يبست المرة لهلك الإنسان . ولقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التميز وقصور العلم : لو كان بطن الإنسان كهيئة البقاء يفتحه الطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ، ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد لا يعرف ما فيه إلا بدلالات غامضة ، كمثل النظر إلى البول وحس العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة حتى ربما كان ذلك سببا للموت ؟ فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا كان أول ما فيه أنه كان يسقط عن الإنسان الوجل من الأمراض والموت ، وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة ، فيخرجه ذلك إلى العتو والأشر ، ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلب فيفسد على الإنسان مقعده ومرقده وثياب بذلته وزينته ، بل كان يفسد عليه عيشه ، ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية التي جعلها اللّه محتبسة في الجوف ، فلو كان في البطن فرج ينفتح حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه ، لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء ، فكان في ذلك هلاك الإنسان ، أفلا ترى أن كل ما تذهب إليه الأوهام سوى ما جاءت به الخلقة خطأ وخطل . غرائز الإنسان : فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها ، فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به ، فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه ، والكرا تقضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه ، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه .